الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
379
نفحات القرآن
وقد بيّنت الآية السابقة نفس ذلك المعنى بصورة أخرى إذ قالت : « مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعدِ إِذنِهِ » فلماذا تعبدون الأصنام ؟ « ذلِكم اللَّهُ رَبُّكُمَ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ » . وجاء نفس هذا المعنى في الآية الثامنة بشأن شفاعة الملائكة ، إذ تؤكّد أنّ شفاعتهم تقبل بإذن اللَّه أيضاً ، إذ ورد فيها : « وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِى السَّموَاتِ لاتُغنِى شَفَاعَتُهُم شَيئاً إِلَّا مِن بَعدِ ان يَأذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاءُ وَيَرضَى » . فالمكان الذي لا يستطيع فيه ملائكة السماء وبكل ما لديهم من عظمة من الشفاعة إلّا بإذنه ، فماذا نتوقع من الأوثان التي لا حس لها ولا تمتاز بأيّة قيمة معنوية ؟ أليس من المخجل أن يقولوا نعبدها لتكون شفيعة لنا عند اللَّه ؟ ! والملفت هنا هو استخدام كلمة « كم » للتعبير عن أهميّة الموضوع ، وهو ما يُستخدم عادة للكثرة وهو موسوم هنا بطابع العموم ، وجاء في الآية كذلك تعبير « في السماوات » وهو دلالة على علو مقامهم ، ووردت كذلك كلمة « شفاعتهم » بصيغة الجمع لكي يفهمشفاعتهم جميعاً لا أثر لها إلّابإذن اللَّه ورضاه . ولعل التأكيد على الملائكة دون بقية الشفعاء جاء هنا لأنّ فِئة من العرب كانت تعبد ، الأوثان أو أنّ المقصود : فإن كانت شفاعة الملائكة لا تتحقق ولا تنفع إلّابإذن اللَّه ، فماذا يُتوقع من الأصنام الجامدة ؟ والفارق بين « الإذن » و « الرضا » هو أنّ الإذن يُطلق حين يُعلن المرء عن رضاه ، لكن الرضا منوط بالباطن ، وانطلاقاً من أنّ الرضا قد يكون مفروضاً أحياناً وعارٍ عن الرضا الباطني ، فقد ورد الاثنان معاً في هذا الموضع ليتم تأكيد الغرض رغم أنّ الفرض على اللَّه لا يمكن تصوره ( جل وعلا ) وأنّ رضاه مستوسق مع إذنه ، ( فتأمل ) . هل أنَّ هذا الاذن مرتبط بالشفعاء أم بالمشفع لهم ؟ فالآية التي نحن بصددها تحتمل المعنيين ، رغم أنّ معناها العام يبدو أكثر اختصاصاً بالشفعاء أي إنّ اللَّه يأذن ويرضى لهم بالشفاعة .